القاضي النعمان المغربي

182

المجالس والمسايرات

من اللّعناء سلفه أقربهم إليه : مروان الطريد « 1 » ، في احتياله على معاوية بن يزيد ودسّه من دسّ من أهل الجابية « 2 » في توليته وأنّه لم يوجد له يومئذ منقبة ولا فضيلة يقولها أو يذكره بها من ذكره إلّا أنّه قال : إنّه شاب حتّى شابت ذراعه ، وقد كان فيهم يومئذ من شيوخ السوء من هو أكثر شيبا منه ، وأنّ من حضر يومئذ بالجابية أكثروا التّعجّب ممّن قام بذكره / ورضي بولايته على ضعف أهل الجابية وقلّة تمييزهم ، حتّى تمثّل المتمثّل منهم بأن قال : هذا أمر مشي فيه بليل . فأمّا عليّ عليه السلام ، فقد علم الخاصّ والعامّ والمخالف والمؤالف أنّه لم يجتمع الناس على أحد قبله بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله اجتماعهم على بيعته . أمّا أبو بكر فقد نازعه الأنصار وغيرهم ، ومات كثير من الصحابة وما بايعوه . وأمّا عمر فقد اجتمعوا فيه إلى أبي بكر فقالوا له : نناشدك اللّه أن [ لا ] تولّي علينا رجلا فظّا غليظا . فقال أبو بكر : تخوّفونني ؟ إذا لقيت اللّه قلت له : إنّي ولّيت عليهم / خير أهلك « 3 » . وأمّا عثمان فما اجتمعوا على توليته ولكنّهم اجتمعوا على قتله . وأمّا عليّ عليه السلام فأجمعوا بإجماعهم عليه وامتنع منهم ، وأطبقوا عليه وما زالوا به حتّى أجابهم إذ لم يجد لدفع ذلك وجها تقوم له به الحجّة . ولو توقّفوا عنه كما توقّف من توقّف منهم قبل ذلك ، لتركهم . وكان أوّل من بايعه الذين نكثوا عليه لمّا لم يجدوا عنده من الأثرة ما عوّدوه . وقد سأله معاوية تركه على الشام ، فلو فعل ذلك لما كان الذي كان منه ، ولكنّه ( صلع ) تلا عند ذلك قول اللّه عزّ وجلّ : « وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً « 4 » » ، فعمد هذا الفاسق إلى ما عسى أنّه / كان يقال في أسلافه فرمانا به كما قيل في المثل لعاهرة رمت عفيفة بالزنى : رمتها بدائها وانسلّت « 5 » .

--> ( 1 ) مروان بن الحكم بن أبي العاص : هو أول خلفاء السلالة « المروانية » . تولى سنة 64 / 684 بمبايعة من أمراء الشام ، بالجابية في الأردن . ويسميه المعز هنا الطريد قياسا على أبيه الحكم بن أبي العاص الذي نفاه الرسول ( ص ) من المدينة إلى الطائف ( انظر أسد الغابة ترجمة 4841 وترجمة 1217 ) . ( 2 ) يوجد خبر بيعة الجابية مفصلا عند ابن الأثير : الكامل ، ج 3 ص 326 . ( 3 ) التحفظ في تولية عمر منسوب إلى طلحة . انظر : تاريخ الطبري تحت سنة 13 . ( 4 ) الكهف ، 51 . ( 5 ) مجمع الأمثال ، ج 2 ص 401 .